محمد بن عبد الله ( ابن مالك )

94

شرح الكافية الشافية

وقوله - عليه السّلام - لعائشة : " إيّاك أن تكونيها يا حميراء " " 1 " . وكقول بعض فصحاء العرب : " عليه رجلا ليسنى " . وقد حكموا - أيضا - لثانى مفعولى ؛ نحو : " ظننتكه " بترجيح الانفصال . وعندي : أن اتصاله أولى ؛ لأنه ثاني منصوبين بفعل فكان كالثانى في قوله - تعالى - : رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها [ هود : 28 ] والذي دعاهم إلى ترجيح الانفصال مع " كان " و " ظننت " كون الضمير في الصورتين خبرا لمبتدأ في الأصل ، ولو بقي على ما كان عليه لتعين انفصاله ، فأبقى عليه بعد انتساخ الابتداء ترجيح ما كان متعينا قبل دخول الناسخ . وهذا الاعتبار يستلزم جواز الانفصال في الأول ؛ لأنه كان مبتدأ ، وذلك ممتنع بإجماع ، وما أفضى إلى ممتنع ممتنع . وقد يرجح انفصال ثاني مفعولى " ظنّ " بأنه مع كونه خبر مبتدأ في الأصل : منصوب بجائز التعليق والإلغاء . ومع التعليق والإلغاء لا يكون إلا منفصلا ؛ فكان انفصاله مع الإعمال أولى . وهذا الاعتبار - أيضا - يستلزم ترجيح انفصال المفعول الأول ، وهو ممتنع بإجماع ؛ وما استلزم ممتنعا فهو حقيق بأن يمتنع . وأما انفصال ما باشره الفعل أو ولى ضميرا مرتفعا بفعل ليس من باب " كان " - فلا يجوز انفصاله إلا في ضرورة ؛ كقول الشاعر : [ من البسيط ] بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت * إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير " 2 "

--> ( 1 ) نقل العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 450 ) عن ابن الغرس قال : " رأيت في الأجوبة على الأسئلة الطرابلسية لابن قيم الجوزية أن كل حديث فيه يا حميراء أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق " . ( 2 ) البيت للفرزدق في ديوانه 1 / 214 ، وخزانة الأدب 5 / 288 ، 290 ، والدرر 1 / 195 ، وشرح التصريح 1 / 104 ، والمقاصد النحويّة 1 / 274 ، ولأميّة بن أبي الصلت في الخصائص 1 / 307 ، 2 / 195 ، ولم أقع عليه في ديوانه ، ولأميّة أو للفرزدق في تخليص الشواهد ص 87 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 129 ، والإنصاف 2 / 698 ، وأوضح المسالك 1 / 92 ، وتذكرة النحاة ص 43 ، وشرح ابن عقيل ص 56 ، 60 ، وهمع الهوامع 1 / 62 .